تحت الشبورة
شاكر المغربي يكتب
تحت الشبورة أو إظهار ما هو ظاهر
قراءة في رواية "الشبورة" للكاتب الروائي السعودي أحمد الشدوي
في البداية، أحب أن أضع تعريفا للرواية، من وجهة
نظري، فالرواية كما أراها، هي عمل إنساني من الدرجة الأولى، في طرح الحكايات، بما
فيها من متناقضات ومتقاربات، إلا أن ما يميز الرواية، ويُعد سمة أساسية فيها، ونغفل
عنه كثيرا في الحياة، هو طرح التساؤلات لما وراء الحكايات، فالرواية ليس مهما فيها
ماذا أحكي الأهم هو كيف أحكي ولماذا.
والرواية، أي رواية، وذلك في اعتقادي لابد أن
يتوافق عنوانها مع مضمونها، فالعنوان هو المفتاح الأول الذي يسلمه الكاتب ليد
القارئ، تشجيعا لفتح باب الرواية والدخول فيها، ثم تتوالى المفاتيح تباعا، لفتح
الغرف المغلقة داخل النص الروائي، فيستمر
القارئ في التوغل، إلى أن يصل وربما يفاجئ بالنهاية.
والشبورة هذه الرواية التي بين يدي الآن، أرى أن الكاتب
قد نجح في اختيار عنوانها، الذي استخرجت منه دلالتين، الأولى هي المعنى اللغوي
والفعلي للكلمة، ذلك الضباب الصباحي الذي يحجب الرؤية، وأن الرواية هي بمثابة كشف
لما وراء الشبورة، من خلال تسليط كشافات عالية الإضاءة، أو الزحف أسفل الشبورة، في
منطقة الرؤية المتاحة حيث القاع، وتأكدت هذه الدلالة من خلال القراءة، مع تفتق
الدلالة الثانية المكملة للأولى، وهي المعنى الدارج لكلمة الشبورة الذي نستخدمه نحن المصريون، وربما في أماكن أخرى
من الدول العربية، وهو الشبورة المصطنعة للتضليل، كي لا نرى ال ما وراء.
ربما كانت هذه الرؤية أمام الكاتب أثناء الكتابة،
وربما كانت في عقله الباطن، فخرجت هكذا كما أراها، ولكن ما أنا على يقين منه، أن
هذه رؤية خاصة بي من خلال قراءة الرواية.
وأبداء بالتنويه لتاريخ إصدار الرواية، وهو عام
٢٠١٣ مما ينبئ أنها كتبت بالتقريب ما بين عامي ٢٠١١ و ٢٠١٣ ثم تاريخ بداية الحكي
داخل الرواية، شهر ديسمبر نهاية عام ٢٠١٠ هذه التواريخ تحيلنا مباشرة إلى ما سُمّي
وقتها بالربيع العربي، تلك الشبورة التي تم اصطناعها، لإيهامنا أننا سنخرج من
الشبورة التي نحيا داخلها.
"إظهار ما هو ظاهر، وهو غير ظاهر لا لكونه مختفيا،
بل لكونه ظاهرا بإفراط على سطح الأشياء"
استهل الكاتب روايته بهذه المقولة، من سوسيولجيا الخطاب، قبل الدخول في الحكي، وهي بمثابة التأكيد على العنوان، أن هناك شبورة حقيقية، أو مصطنعة، وربما نحن من وضع هذه الشبورة على أعيننا، كي لا نرى ما يجب أن نراه، مما هو ظاهر أصلا.
تبدأ الرواية براوٍ أول يرصد من الخارج، قبل أن
تنتقل إلى راوٍ آخر، هو ضلع أساسي، والرابط بين الحكايات، ويبدأ الراوي الأول برصد الراوي الآخر
"غالب" – ولي في الأسماء كلام سيلي- بداية من سوريا، بما فيها من خلل أمني
حيث يقول "لم أشأ أن أقدم على الحديث معه، تخوفا من الأمن السوري، ينظرون
دائما للأشخاص كمجرمين حتى يثبت العكس" ص٨، ثم ينتقل لبنان التي اختارها غالب
لتكون ملاذا له لما فيها من تضافر الأديان والمذاهب، "يعجبه في المكان تشابك
الأديان والمذاهب دروز وشيعة وسنة ومسيحيون....." ص٩ ولكنها لم تسلم أيضا أي
لبنان من شبورة الإرهاب، وذكر ذلك في لمحة سريعة عن اغتيال رفيق الحريري "كنت
أمارس رياضة المشي السريع، من فندق الموفمبيك
الذي أنزل فيه، حتى منطقة سان جورج، حيث اغتيل رفيق الحريري" ص٨
ولكي يهرب الكاتب من ظلال السيرة الذاتية، ألمح
أن هذه المذكرات لغالب دون تدخل ذاتي فقال على لسان الراوي "عرفت أنها مذكرات
لرحلة قام بها إلى القاهرة منذ فترة، ويرجوني أن أعيد صياغتها دون تحريف، ونشرها
مشترطا ألا أكون مثل نديم غورسيل، في روايته عن محمد الفاتح قال : إن نديما استخدم
شهرة محمد الفاتح، ليكتب عن نفسه مع دنيز
عشيقته" ص١٠ وقبل أن أنسى أحب أن أنوه عن تحفظي على تصريف الأسماء فهذا
ينقلها إلى منطقة الصفة والحال واسم الفاعل " قال إن نديما" وقد تكرر
ذلك في أماكن عدة من الرواية بأن يقول حامدا أو نورا.
ثم يبدأ الحكي على لسان غالب، الذي يجمل الرؤية
في أكثر من مقطع، عن المتاهة أو الشبورة "لا أعرف كيف بدّلت حياتي، أو بدّلها
حامد الرباعي، كذباب يلعب مع أسرته، جوار سيارة نافذتها مفتوحة، أغراه دبق على
التابلوه، فدخل يفحصه تحركت السيارة ألاف الأميال" ص١٠
"كطفل يلعب جوار أهله، في متنزه مزدحم، شاهد
كرة صغيرة مع طفل آخر، وتحرك نحوها وابتعدت به، كانت هناك امرأة، مدت يدها له
بحلوى، ليعيش بقية عمره خارج أسرته، وخارج دولته، وخارج لغته وديانته، يلوك حزنا
على شيء فقده ولا يعرفه" ص١٠
ولنلاحظ في المقطع الأول، كلمة أغراه، فالغواية
بدأت من الذات كشهوة، أوقعته في شرك الدبق، ثم في المقطع الثاني، تأتي الغواية من
الذات كشهوة أيضا، "وتحرك نحوها" ثم من الآخر، الذي استغل هذه الشهوة "مدت يدها
له بالحلوى" ليتيه في شبورة هذا العالم.
يدخل غالب في الحكاية عن هذه الصدفة، التي جمعته
بحامد الرباعي، والتي اتضح بعد ذلك أنها لم تكن صدفة، فحامد الرباعي يريد أن ينتقم
من هذا الشاب، الذي كان يراه يمتلك كل شيء، فامتلأ قلبه بالحقد، وسعى لسلبه كل
جميل، بإيقاعه في شرك قاع المجتمع، المزين بصورة جميلة، والذي كان وجوده، من أبرز
نتائج التطور التكنلوجي، بأن أخذنا نحن أسوأ ما فيه، أو ما أرادوا لنا أن نأخذه،
حتى صرنا لا نرى غير السيء، بسبب تلك الشبورة التي صنعوها لنا، والتي حين انكشفت،
لم نستطع التعامل مع النور، فوضعنا على أعيننا شبورتنا الخاصة، "وعندما بدأت
ثورة الاتصالات تغزو المجتمع....." ص٤١ وقد أكد قبلها، أننا نحن من تخلى عن إنسانيتنا،
بالمظاهر الخادعة، "قلت: إذا أردتِ أن ترين الناس على حقيقتهم، فلا تتدثري
بأية أغلفة في الحديث أو المظهر. هي حواجز حقيقية تحول دون اندماج أرواح
البشر." ص١٩
"لستُ بريئاً" ص٢٤ هكذا يفاجئنا غالب قبل
خوضه في الصراع، بين القديس والمارد، وكأنه يقول لنا لا تتوقعوا نهاية بريئة، ثم
يعود ليؤكد على نفس المعنى، في عدم
البراءة بشكل مختلف " أعرف أن ما أقوم به أسوأ من القنص ذاته، فما بعد
الاستسلام، ثم التخلي، تكون أحداث ليست في صالح الطريدة المنبوذة" ص٣٢ مؤكدا
بذلك، أن الصراع بين القديس والمارد محسوم لصالح المارد، وأن ظهور القديس ما هو
إلا خدعة، يخدعنا ويخدع نفسه بها، فلو كان للقديس مساحة ولو قليلة داخله، لمنعه من
الإيقاع بحامد في شرك الفعل المحرم مع التغليظ.
حتى في رحلته نحو الماضي، وعلاقته برئيسة وأمال،
ثم علاقته بعلياء لم تكن بريئة، فقد كان يرى ما هو سيء، ويكتفي فقط بالهروب من
المعركة، وهذه صفة تتجلى بوضوح في أغلبنا، أننا نؤثر السلامة دائما، ولا نواجه عقبات
وتداعيات أفعالنا وأفعال الآخرين، كما فعل هو في النهاية.
ثم أعود الآن للإسقاط الذي استنبطه، من خلال
شخصيات الرواية، وعلاقة الأسماء بذلك، تلك الأسماء التي اختارها الكاتب بعناية حسب
ما أرى، ف "غالب" يمثل تلك الشعوب العربية المنسحقة، والتي تخوض صراعا
دائما مع سلطة المال والقوة، وفي أغلب الأحيان تنهزم، لاستخدامها نفس أساليب
الخداع والنفاق؛ للحفاظ على ما لديها، ثم "مناور الدافي" ذلك البرجوازي المتسلق،
الذي يتلون مثل الحرباء، فهو يقوم بالمناورة دائما ليظل في مكانه، حتى غير اسمه ل
"حامد الرباعي"، الذي يؤكد أنه مهما تغيرت الأسماء فالطباع والهدف واحد،
ثم "رئيسة" التي تنتمي لعائلة، من المفروض أنها تحارب الاستعمار، ولكن
من خلال صالة للرقص "ويصفق الجمهور باحترام لإرادتنا في تحرير القدس من
كازينو الأندلس في شارع الهرم" ص٨٢ كما فعل صدام حسين "وفهمنا صدام حسين
هو الآخر انطلق لتحرير القدس من الكويت" ص٨٢
ثم يؤكد الكاتب على ضياع هويتنا العربية، في
شبورة الإعلام المزيف، "أصبحت -كما يقال- مثل شكد الأعمى، حينما كان الأعمى
الفقير يطلب الناس من محاصيلهم أثناء الحصاد، كلٌّ يعطيه مما زرع في أرضه فيضعها
في وعاء واحد، فلا يمكن لأحد تميز ما بداخل هذا الوعاء من أنواع الحبوب"
نعود للأسماء، حيث "أمال" غالب التي
ضاعت، فلاذ ل "علياء" نفسه
المنسحقة، بعدما اشترك بدناءة في اغتصاب "نور" الغد لتستمر الشبورة.
وأختم بهذه المقولة للكاتب" الخطيئة نز صغير
في علبة بلاستيكية مملوءة بالرسائل... نقطة ترسم أوّل الدائرة... ريال واحد تسلّه
من أحمق... بداية افتراق طريق عن رفيقه"





تعليقات
إرسال تعليق